القائمة الرئيسية

الصفحات

قصة رعب: البيت الذي يرفض المغادرة والغرفة الملعونة

مشهد رعب داخل منزل قديم ومظلم، امرأة تقف في ممر ورائها شبح طفل وظلال أيدي على الباب، يمثل رواية رعب نفسية.



قصة رعب: البيت الذي يرفض المغادرة والغرفة الملعونة



لم تكن انجيلا تخاف من البيوت القديمة، كانت ترى أن الخوف منها ترفٌ لا يملكه إلا 
من يستطيع أن يدفع إيجارًا مرتفعًا في بناية حديثة تُضاء ممرّاتها طوال الليل. أمّا هي، فلم يكن 
معها سوى حقيبة ملابس، وهاتف قديم، ومبلغ يكفي بالكاد لشهرين، لهذا، عندما عرض عليها صاحب
 المكتب العقاري ذلك المنزل الواقع في آخر الحي، لم تُكثر من الأسئلة.
قال لها وهو يقلّب مجموعة مفاتيح صدئة في كفّه: « البيت رخيص… لكنه هادئ جدًا »
ابتسمت انجيلا بتعب وقالت: « الهدوء شيء جيّد »
تردّد لثانية، ثم أضاف بنبرةٍ أخفض: « هادئ… أكثر مما ينبغي »
لم تفهم قصده، ولم تهتم.
كان الحيّ قديمًا، شوارعه ضيّقة، وأعمدة الكهرباء تميل قليلًا كأنها أنهكها الوقوف سنوات طويلة،
 أغلب البيوت متلاصقة، إلا ذلك البيت، كان منفصلًا، واقفًا وحده في زاوية الشارع، بجدار باهت يتدرّج
 لونه بين الرمادي والأصفر، وبوّابة حديدية تُصدر صريرًا خفيفًا كلما حرّكها الهواء.
وقفت انجيلا  أمامه، تحمل المفتاح، وللحظة قصيرة، انتابها إحساس غريب، لم يكن خوفًا صريحًا… بل شعورًا 
مبهمًا بأن البيت ينتظر ، هزّت رأسها ساخرة من نفسها، وأدخلت المفتاح في القفل.
انفتح الباب بصوتٍ خشبي عميق، كان الهواء في الداخل أبرد من الخارج، رغم حرارة الشمس ذات رائحة
 خفيفة تشبه الغبار القديم والكتب المنسيّة منذ زمن، خطت خطوة، ثم أخرى وأغلقت الباب خلفها، 
ارتدّ الصوت في أرجاء المكان كأنه أوسع مما يبدو.
كان البيت بسيطًا بغرفة نوم صغيرة، صالة ضيّقة، مطبخ يكاد يتّسع لشخص واحد، وممر قصير ينتهي
 بجدارٍ عارٍ، لا شيء مميّز، ومع ذلك… كان هناك شعور غير مريح، كأن الصمت في المكان
 أثقل من المعتاد، ذلك الصمت الذي يجعل أدنى صوتٍ يبدو مرتفعًا.
***
في المساء رتّبت أغراضها بسرعة، فرشت مرتبة رقيقة على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط، قالت في نفسها:
« شهران فقط… ثم أبحث عن مكانٍ أفضل » ، أطفأت النور وغلبها النوم فورًا، استيقظت عند الفجر ولم تعرف لماذا.
لم يكن هناك ضوء ولا أصوات من الشارع لكن ... كان هناك صوت خطوات بطيئة .. منتظمة .. تمشي في الممر.
فتحت عينيها ببطء، وحدّقت في باب غرفتها، توقّفت الخطوات بالضبط أمام الباب.
حبست أنفاسها ثانيتان .. ثلاث .. ثم ... سمعت صوت خفيف… كأن أحدهم مرّر أظافره على الخشب.
سرت قشعريرة باردة في ذراعها، لم تتحرّك، بعد لحظات، عاد الصمت، مدّت يدها نحو الهاتف.. 4:11 صباحًا.
همست لنفسها: « مجرد حلم » ، وأجبرت عينيها على الانغلاق.
في الصباح بدا كل شيء طبيعيًا، ضوء الشمس يتسلّل من النافذة، أصوات سيارات بعيدة، بائع
 يصرخ في الشارع، ضحكت انجيلا من نفسها وهي تغسل وجهها : « توتر فقط ».
***



بعد يومين، طرقت بابها امرأة مسنّة، كانت نحيلة، ذات عينين حادتين كأنهما تحفظان تفاصيل المكان
 منذ سنوات طويلة، قالت: « أنا جارتك » و سمحت لها انجيلا بالدخول.
راحت العجوز تنظر حولها ببطء، وكأنها تتأكد من شيء لا تراه انجيلا ثم قالت فجأة:
« إذا رأيتِ الغرفة الأخيرة… لا تفتحيها » .
تجمّدت انجيلا و قالت مستغربة: « أي غرفة؟ البيت أصلاً صغير »، لم تجب العجوز.
اكتفت بابتسامةٍ باهتة وغادرت.

***
منذ تلك الزيارة، بدأت انجيلا تلاحظ أشياء صغيرة.. أشياء يمكن تجاهلها بسهولة… لو 
حدثت مرة واحدة، لكنها كانت تتكرر ... ظلّ يمرّ سريعًا عند إطفاء الأنوار... إحساس بأن 
أحدًا يقف خلفها في الممر... برودة مفاجئة قرب نهاية الممر القصير... وفي إحدى الليالي،
 أقسمت أنها رأت بابًا في آخر الممر، بابًا داكن اللون، قديمًا أكثر من بقية الأبواب، وقفت تحدّق فيه،
 أغمضت عينيها وعندما فتحتهما ... لم يكن هناك شيء .. فقط جدار.
حاولت إقناع نفسها أن التعب يلعب بعينيها لكن النوم لم يعد سهلًا خصوصًا عند الفجر.
ففي كل ليلة تقريبًا، تعود أصوات الخطوات .. نفس الإيقاع.. نفس التوقّف أمام بابها وأحيانًا… صوت خفيف
 يشبه همسًا لا يمكن تمييز كلماته.
***
في ليلة ممطرة، انقطعت الكهرباء، أضاءت انجيلا مصباح الهاتف، كان الضوء الأبيض الضعيف
 يرسم ظلالًا طويلة على الجدران، مرّت قرب الممر وتوقّفت... هناك ..كان يوجد باب وهذه المرّة لم يكن وهمًا، باب خشبي داكن بمقبضٍ معدني باهت، تقدّمت ببطء، كان قلبها يخفق بقوة حتى شعرت بصوته في أذنيها، مدّت يدها، لمست المقبض، كان باردًا إلى درجة مؤلمة وفجأة .. سمعت صوتًا من الداخل خافتًا جدًا .. صوت طفل، قال: « تأخّرتِ » .
سحبت يدها بسرعة، تراجعت خطوة، انطفأ ضوء الهاتف لثانية وعندما عاد .. اختفى الباب، لم يبقَ سوى الجدار.
***
في اليوم التالي، ذهبت إلى المكتب العقاري، قالت بلهجة حاولت أن تبدو عادية:
« هل كان هناك مستأجرون قبلي؟ ».
تردّد الرجل ثم قال:« نعم… لكنهم لم يمكثوا طويلًا »
سألت : « لماذا؟ »
تنحنح، ثم أجاب: « كانوا يقولون إن في البيت… غرفة لا تثبت في مكانها »
ضحكت انجيلا ، لكن ضحكتها خرجت ضعيفة.
***
في تلك الليلة، قررت أن تبقى مستيقظة أطفأت الأنوار، وجلست على المرتبة، مرّ الوقت بطيئًا، 
الساعة تقترب من الفجر .. 3:58 .. 4:10 .. ثم بدأت أصوات الخطوات و هذه 
المرّة كانت أوضح.. أقرب... ليست في الممر فقط… بل داخل الصالة.
تجمّدت... الخطوات اقتربت من باب غرفتها ثم توقّفت... وانفتح الباب ببطء… رغم أنها متأكدة
 أنها أغلقته، 





لم يدخل أحد لكن الهواء أصبح أبرد ثم سمعت تنفّسًا خفيفًا.. قريبًا جدًا.. عند نهاية السرير.. رفعت رأسها ببطء.. هناك.. كان يقف ظلّ صغير.. هيئة طفل.. لم يتحرّك.. لم يتكلّم فقط… كان ينظر إليها.
أغمضت عينيها بقوة.. عدّت حتى ثلاثة.. وعندما فتحتهما .. اختفى الظل.. ولكن 
على الجدار المقابل… ظهر باب لم يكن موجودًا قبل لحظات.
نهضت ببطء.. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.. وصلت إلى الباب.. وضعت يدها على المقبض.. 
من الداخل جاء نفس الصوت: « كنتِ وعدتِني… ألا تنسيني » ، تجمّدت و قالت بصوت مرتجف:
« من أنت؟ »، لم يأتِ رد.. فقط صمت ثقيل... ثم نقرة خفيفة من الداخل وكأن أحدهم ينتظر.
شعرت انجيلا بشيء غريب يتسلّل إلى صدرها ليس خوفًا فقط… بل إحساس قديم، إحساس تعرفه دون أن تتذكر مصدره.. كذكرى بعيدة لا تستطيع الإمساك بها، همست: « أنا… لا أعرفك ».
جاء الرد فورًا، حزينًا: « لكنّي أعرفك ».
اهتزّ المقبض قليلًا تحت يدها، كأن أحدًا يمسكه من الجهة الأخرى، ارتجفت أصابعها، تراجعت نصف خطوة، لكن الفضول كان أقوى من الخوف، ذلك الفضول الذي يجعل الإنسان يفتح الرسائل التي لا يجب فتحها، شدّت نفسًا عميقًا وأدارت المقبض، انفتح الباب ببطء، خرج هواء أبرد من بقية البيت، هواء يحمل رائحة غبارٍ قديم، الغرفة في الداخل كانت مظلمة لكن ليس ظلامًا كاملًا… بل ظلامًا رماديًا كأن الضوء يصلها من مكان بعيد، خطت انجيلا خطوة إلى الداخل، أحسّت بأن الصمت هنا مختلف.. أثقل.. أقدم وكأن الجدران تحفظ همسات سنوات طويلة.
كان أول ما رأته… صورة قديمة معلّقة على الجدار.. اقتربت.. تجمّدت في مكانها.. الصورة لطفلين.. ولد وبنت، يقفان في هذا البيت، في نفس الممر، نفس الجدار، نفس الباب، ملامحهما… تشبه ملامحها، ارتجف نفسُها، مدّت يدها نحو الصورة.. همست: « هذا… مستحيل ».
خلفها.. صدر صوت خفيف، نفس الصوت الطفولي، قريب جدًا هذه المرّة، قال: « تذكّري »، التفتت بسرعة، لم ترَ أحدًا، لكن أرضية الغرفة أصدرت صريرًا خفيفًا، كأن أحدًا خطا خطوة، على الأرض كان هناك صندوق خشبي صغير،  ركعت ببطء وفتحته، في الداخل: دمية مكسورة، دفتر رسم قديم وبطاقة اسم باهتة. رفعت البطاقة و قرأت الاسم.. ليس « انجيلا »، بل .. سام.
في تلك اللحظة، مرّ ألم حاد في رأسها، صور متقطّعة لم تفهمها: طفلان يركضان في الممر.. وضحكات.. باب يُغلق بعنف.. صوت امرأة تصرخ: « قلت لكم لا تدخلوا تلك الغرفة! ».
سقطت البطاقة من يدها، وضعت كفّها على رأسها، تنفّسها تسارع، همست دون وعي : « سام …؟ »، 
جاء الرد فورًا من خلفها.. قريبًا جدًا : « أنا هنا ».
تجمّد جسدها، لم تلتفت، لم تستطع، شعرت بأنفاسٍ باردة قرب كتفها وصوتٍ خافت يقول: « لماذا استغرقتِ كل هذا الوقت… لتعودي؟ » .
ببطء شديد استدارت ورأت ظلّ طفل يقف على بعد خطوة
ملامحه تشبهها، نفس العينين، لكن شاحبتين، ساكنتين، كأن الزمن توقّف عندهما منذ سنوات.
قال بهدوء: « اشتقتُ إليكِ ».
ارتجفت شفتاها : « من… أنت؟ ».




ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة وقال: « أنا الذي نُسيت ».
خلفهما، عند المدخل بدأ الباب يتحرّك ببطء، كأن الغرفة نفسها لا تريد أن تُغلق بعد الآن، انخفض
 صوت الطفل أكثر وقال: « أنتِ وعدتِني… أننا لن نترك أحدنا ».
تسارعت ضربات قلبها، الصور في رأسها بدأت تتضح ، لعبة غميضة ، ضحك اختباء، غرفة ممنوعة، باب يُغلق ، ظلام ، صرخات ثم صمت طويل .
رفعت عينيها نحوه، صوتها خرج مكسورًا: « سام …؟ ».
ابتسم ولأول مرة، بدا حقيقيًا وقال: « نعم ». 
في تلك اللحظة اهتزّت جدران الغرفة اهتزازًا خفيفًا وكأن البيت نفسه استيقظ، خارج الغرفة، في الممر… بدأت أصوات الفجر تعود، خطوات بطيئة منتظمة تقترب وتقترب أكثر.
نظر سام نحو الباب ثم عاد بعينيه إليها وقال بهدوءٍ غريب: « هذه المرّة… لا تنسيني ».
وتوقّفت الخطوات تمامًا عند العتبة.

***

قصة رعب: البيت الذي يرفض المغادرة والغرفة الملعونة الجزء الثاني



لم تتحرّك انجيلا من مكانها، كانت تقف في منتصف الغرفة الأخيرة، ويديها مرتجفتان، وعيناها معلّقتان بوجه الطفل الذي يشبهها إلى حدٍ مؤلم. لم يعد الأمر مجرّد ظلٍ عابر أو وهمٍ تخلقه العتمة؛ كان حاضرًا أمامها بوضوحٍ يكفي لأن تسمع أنفاسه، وإن كانت خفيفة كأنها قادمة من مسافةٍ بعيدة.
قال الطفل بهدوء: « تأخّرتِ كثيرًا »
ارتعش شيء في صدرها، حاولت أن تنطق باسمه لكن الكلمة علقت في حلقها لحظة، ثم خرجت هامسة : « سام …؟ »
أومأ برأسه ببطء، كأن هذا الاسم أثقل من أن يُقال بسهولة.
كان الهواء داخل الغرفة أبرد من أي مكانٍ آخر في البيت. برودة لا تشبه برودة الشتاء، بل برودة الأماكن التي لم تُفتح منذ سنوات طويلة، شعرت انجيلا أن كل نفسٍ تأخذه يمرّ عبر طبقات من الغبار والذكريات القديمة، سألته بصوتٍ مرتجف: « كيف… ما زلت هنا؟ ».
لم يجب فورًا، رفع يده ولمس الجدار بجانبه، ثم قال: « لأن أحدًا لم يأخذني معه ».
لم تفهم.
تقدّم خطوة، من دون أن تُصدر الأرضية أي صرير : « البيت يحتفظ بمن يتمّ نسيانهم ».
ارتجف قلبها عند كلمة النسيان.
تلك الكلمة لمست شيئًا غائرًا في داخلها، كجرحٍ قديم لم تكن تعلم بوجوده أصلًا، قالت بسرعة وكأنها
 تدافع عن نفسها: « أنا لم أنسك »
نظر إليها طويلًا، نظرة لم تكن غاضبة… بل متعبة: « بل نسيتموني جميعًا ».
***
خارج الغرفة، في الممر، عادت أصوات الفجر... خطوات بطيئة، منتظمة، كأن شخصًا يسير ذهابًا وإيابًا فوق أرضية خشبية.
تجمّدت انجيلا . لم تكن هذه الأصوات جديدة، لكنها الآن بدت أقرب، أثقل، وكأن صاحبها يقف عند العتبة تمامًا.
أغمضت عينيها لثانية وفجأة اندفعت صور متقطّعة إلى رأسها: طفلان يركضان في الممر، ضحك عالٍ، امرأة تنادي من بعيد، باب يُفتح… ثم يُغلق بقوة، فتحت عينيها بسرعة، تتنفّس بصعوبة : « ماذا حدث… في ذلك اليوم؟ ».
خفض سام نظره : « كنا نلعب »، صمت لحظة ثم قال : « اختبأنا هنا » و أشار إلى أرضية الغرفة واكمل : « ثم أُغلق الباب ».
تجمّدت أطرافها، الذكرى أصبحت أوضح، مقبض معدني بارد، ضوء ينطفئ، صوتها وهي تطرق الباب، وصوت آخر.. صوته.
همست : « أنا… خرجت »، رفع عينيه إليها.
أضاف بهدوء: «نعم..  وأنا بقيت ».




انقبض صدرها كأن الهواء اختفى فجأة وقالت : « لماذا لم يفتحوا الباب؟ ».
أجاب بصوتٍ منخفض: « فتحوه… بعد وقتٍ طويل »، سكت ثم قال: « لكن لم يعد أحد يسمعني ».
اهتزّت الجدران اهتزازًا خفيفًا، وتساقط غبار دقيق من السقف، بدا كأن البيت القديم يستمع إلى الحديث أو يتذكّر معهم.
قالت انجيلا ، ودموعها تتجمّع : « كانوا سيبحثون عنك ».
ابتسم بمرارة هادئة وقال : « بحثوا عنكِ أنتِ »، صمت ثم قال : « لأنكِ كنتِ التي خرجت ».
ارتجفت يداها وشعرت بشيء ثقيل ينكسر داخلها : « أخفوا الحقيقة…»
أومأ وقال : « كان أسهل أن ينسوا طفلًا واحدًا… بدل أن يعيشوا مع اثنين أحدهما مات ».
تردّد صدى الكلمة داخل الغرفة: مات .
لكن سام كان واقفًا أمامها، ينظر إليها، يتنفس، يتكلم.
همست: « أنت لست… »، قاطعها بلطف: « أنا ما تبقّى » .
من خارج الغرفة، توقّفت الخطوات فجأة.
سقط صمتٌ كثيف، صمت يشبه لحظة حبس النفس قبل أن يحدث شيء ما.
اقترب سام خطوة أخرى،هذه المرّة استطاعت أن ترى تفاصيل وجهه بوضوح أكبر؛ لم يكن شفافًا بل باهتًا كصورةٍ قديمة بهت حبرها مع الزمن.
قال: « البيت لا يحب الفراغ »
لم تفهم.
أكمل : « عندما يُنسى أحد… يحتفظ به ».
تراجعت خطوة وقالت : « وماذا يريد الآن؟ »
نظر نحو الباب ثم عاد بعينيه إليها وقال : « أن يتذكّر ».

---
صدر صوت طقطقة من الجدران، كأن الخشب يتمدّد، بدأت الغرفة تبرد أكثر حتى أصبح نَفَسها مرئيًا في الهواء.
همست: « هل يمكنني إخراجك من هنا؟ ».
لم يجب فورًا، نظر إليها طويلًا ثم قال : « يمكن أن يخرج واحد فقط ».
تجمّدت : « ماذا تعني؟ ».
أشار إلى الممر خارج الغرفة وقال : « البيت لا يترك المكان فارغًا ».
ارتفع صوت نبض قلبها في أذنيها، قالت : « لا… هذا غير حقيقي ».
قال بهدوء : « كان يجب أن يبقى أحدنا منذ البداية ».
اهتزّت الأرض تحت قدميها اهتزازًا خفيفًا وكأن البيت يوافقه.
صرخت : « سنخرج معًا! ».
ابتسم بحزن : « حاولتُ ذلك… كثيرًا ».
وفجأة اندفعت ذاكرة كاملة إلى رأسها : أمّها تبكي.. رجل يقول: «أنقذوا البنت »، و صوت آخر: « الولد لا يستجيب »، ثم جملة واضحة : « لا تخبروها بوجود أخ لها ».
شهقت.. وضعت يدها على فمها : « لقد… أخفوا الحقيقة ».
أومأ سام : « كان النسيان أرحم لهم ».
اهتزّ الباب خلفهما، وبدأ ينغلق ببطء.
ركضت نحوه ووضعت يدها على الحافة، البرودة كانت مؤلمة.
خلفها قال سام :
«وإذا خرجتِ الآن… سيبقى كل شيء كما هو ».
التفتت نحوه وقالت : « وإذا بقيتُ؟ ».
سكت لحظة ثم قال : « سأخرج أنا ».
تجمّدت، شعرت بأن الغرفة تدور ببطء حولها، قالت : « يعني… سأُنسى أنا؟ ».
أجاب بهدوء : « نعم ».
الصمت تمدّد بينهما.. ثوانٍ طويلة.. ثقيلة.
من خارج الغرفة عادت أصوات الفجر، لكن هذه المرّة لم تكن خطوات شخصٍ واحد.. كانت عديدة.
كأن الممر امتلأ بأقدامٍ تمشي في نفس الإيقاع.
نظر سام نحو الباب ثم قال بصوت منخفض : « البيت يستيقظ ».
شعرت انجيلا بأن الهواء يضيق وكأن الجدران تقترب ببطء، همست:
« إن خرجتُ انا … هل ستختفي؟ ».
أجاب : « سأبقى هنا… كما بقيت دائمًا ».
نظرت إلى عينيه.. إلى الحزن القديم الذي يسكنهما وقالت بصوت مكسور : « لا أريد أن تُنسى مرة أخرى ».
ابتسم للمرة الأولى ابتسامة حقيقية وقال : « إذًا… لا تتركيني ».
اهتزّت الغرفة بقوة أكبر، سقطت الصورة القديمة من الجدار، تحطّم الزجاج على الأرض، ومن خارج الغرفة... توقّفت الخطوات فجأة وانفتح الباب على اتّساعه.
اندفع هواء بارد من الممر إلى داخل الغرفة الأخيرة، يحمل معه ذلك الصمت الثقيل الذي كانت انجيلا قد عرفته منذ ليلتها الأولى في البيت القديم، لم يعد الصمت مجرد غيابٍ للأصوات؛ كان حضورًا واضحًا، كأن شيئًا ما يقف خلف العتبة وينتظر أن يُحسم القرار.
تراجعت انجيلا خطوة، وعيناها معلّقتان بفتحة الباب.
في الخارج لم يكن الممر مظلمًا تمامًا، بل مغمورًا بضوءٍ رمادي باهت، يشبه ضوء الفجر قبل أن تكتمل الشمس. ومع ذلك، كانت أصوات الفجر قد اختفت، كأن كل من كان يمشي هناك توقف فجأة في اللحظة نفسها.
قال سام بهدوء : « لن يبقى الباب مفتوحًا طويلًا ».




ارتجف صدرها : « لماذا؟ ».
أجاب : « لأن البيت لا يحب التردّد ».
شعرت أن الجدران حولها تُصدر صوتًا خافتًا، كخشبٍ قديم يتمدّد ثم ينكمش، لم يكن صوتًا عاليًا لكنه كان كافيًا ليجعل قلبها يخفق بعنف.
نظرت إلى سام : « إذا خرجتُ الآن… سيبقى كل شيء كما كان؟ ».
هزّ رأسه ببطء : « سيبقى واحد هنا ».
سكت لحظة : « ودائمًا سيبقى واحد هنا ».
تقدّمت خطوة نحو الباب، ثم توقّفت.
خلفها كان سام واقفًا بلا حراك كأنه اعتاد الانتظار سنوات طويلة حتى صار الانتظار حالته الطبيعية.
قالت بصوتٍ خافت : « هل كنت وحدك طوال هذه السنوات؟ ».
أجاب بعد صمت : « لم أكن وحدي ».
التفتت إليه بسرعة وقالت : « من كان معك؟ ».
نظر نحو الجدار ثم قال : « البيت ».
مرّت قشعريرة باردة في ذراعيها : « هل يؤذيك؟ ».
ابتسم ابتسامة صغيرة : « البيت لا يؤذي ».
ثم أضاف : «هو فقط… لن يتركك ».
اهتزّ الضوء الرمادي في الممر، كأن ظلًا مرّ سريعًا. لم ترَ انجيلا أحدًا، لكنها شعرت بوجود عيون كثيرة تراقب من خلف الجدران.
همست: « من هؤلاء الذين يمشون في الفجر؟ ».
أجاب سام : « أشخاص تم نسيانهم مثلّي ».
تسارعت أنفاسها : « يعني… هذا المكان.... ».
قاطعها: « يمتلئ بالذين لم يعد لهم مكان في ذاكرة أحد ».
أحسّت بثقلٍ هائل فوق صدرها.
فكرة أن يتحوّل الإنسان إلى شيءٍ منسيّ، محبوس بين الجدران، كانت أشد رعبًا من الموت نفسه.
قالت: « لا أريدك أن تبقى هنا ».
نظر إليها بعينين ثابتتين : « إذًا لا تخرجي ».
اهتزّ الباب قليلًا، وبدأ يتحرّك نحو الانغلاق.
صرخت: « انتظر! »، ووضعت يدها على حافته.
كانت البرودة هذه المرّة أشد كأن المعدن امتصّ كل حرارة جسدها.
خارج الغرفة، عاد صوت خافت… ليس خطوات، بل همسات متداخلة، كلمات غير مفهومة، كأن عشرات الأصوات تحاول التكلّم في وقتٍ واحد.
سألت بخوف : « ماذا يقولون؟ ».
أجاب سام : « يريدون أن يتذكّرهم أحد »، ارتجف شيء داخلها واكملت : « وهل… إذا تذكّرتك، ستتحرّر؟ ».
سكت طويلًا ثم قال : « التذكّر يفتح الباب.. لكن الخروج… يحتاج بديلًا ».
أغمضت عينيها، تدفّقت الذكريات أخيرًا بلا تقطّع:
هي و سام يركضان في الممر.. ضحكهما يتردّد بين الجدران.. أمّهما تحذّر : « لا تدخلا الغرفة الأخيرة ».
تحدّي طفولي... اختباء... باب يُغلق بقوة بسبب تيار الهواء... ظلام... صرخاتهما... طرقها على الباب... ثم صوت رجال... ضوء... أيدٍ تسحبها للخارج... وصوت أخيها خلفها: « لا تتركيني ».
فتحت عينيها وهي تبكي : « أنا… تركتك ».
قال بهدوء : «لم تكوني تعرفين ».
اهتزّت الأرض بقوة أكبر، كأن البيت ضاق صبره، بدأ الباب ينغلق ببطء شديد، صوت احتكاك الخشب بالأرضية كان حادًا، مؤلمًا للأذن.
صرخت : « لا! »، دفعت الباب بكل قوتها، توقّف لثانية لكنها شعرت بمقاومة غير مرئية تدفعه نحو الإغلاق.
قال سام : « اختاري ».
نظرت إليه بصدمة : « الآن؟ ».
أومأ : « البيت لا ينتظر طويلًا ».
تردّد صدى الهمسات في الممر.
أصوات كثيرة تقول كلمات متقطّعة : « لا… تتركيني…تذكّريني…أنا هنا…».
وضعت انجيلا يدها على صدرها، قلبها يكاد يخرج من مكانه، نظرت إلى الباب… إلى الضوء الرمادي… إلى الممر الذي يقود إلى الحياة العادية ثم نظرت إلى سام .
طفلٌ بقي سنوات في الظلام لأن أحدًا اختار أن ينسى.
قالت بصوت مكسور : «إن بقيتُ… هل ستعيش؟ ».
أجاب : « سأخرج وسيتذكّرني الجميع ».
ابتلعت ريقها : « وأنا؟ ».
نظر إليها بحزن عميق : « ستصبحين ما كنتُ أنا ».
سقطت دمعة على الأرض الخشبية واختفت فورًا، كأن الخشب ابتلعها.
خارج الغرفة، خفتت الهمسات فجأة وعاد الصمت، الصمت الذي يسبق القرار.
شدّت انجيلا نفسًا طويلًا ثم تركت حافة الباب، تحرّك نحو الإغلاق سنتيمترًا.
صرخت: « سام ! ».
رفع رأسه.




قالت: « هذه المرّة… لن أتركك ».
توقّف الباب... اهتزّت الجدران بعنف، كأن البيت يرفض.
تقدّمت نحوه و مدّت يدها، أمسكت يده الباردة.
في اللحظة التي تلامست فيها كفّاهما.. مرّ تيار بارد عبر جسدها كله.
اختفى الصوت... اختفى الضوء الرمادي... اختفى الممر... فتحت عينيها... كانت واقفة في.. الصالة ! .
كان البيت هادئ... دافئ... كانت اشعة الشمس تدخل من النافذة.
تلفّتت بذهول : « سام ؟ ».
لا أحد يجيب .
ركضت نحو الممر، لم تكن هناك أي غرفة إضافية، فقط الجدار،
ضحكت بارتباك : « انتهى…».
توجّهت نحو الباب الخارجي...فتحته... خرجت إلى الشارع... الهواء دافئ... أصوات عادية... سيارة تمرّ... طفل يضحك بعيدًا.
شعرت بخفّة غريبة و كأن حملًا قديمًا أُزيل عن صدرها.
اقتربت منها الجارة العجوز، نظرت إليها باستغراب، قالت:
« الحمد لله أنك خرجِ »
ابتسمت انجيلا بتعب : « نعم، أنا.. »
قاطعتها العجوز:
« كيف خرجت وحدك يا بُني؟ »
تجمّدت : « ماذا؟ ».
حدّقت العجوز في وجهها : «أين أختك ؟».
شعرت بدوار مفاجئ : «أنا… انجيلا ».
هزّت العجوز رأسها : « لا ».
سكتت لحظة ثم قالت ببطء : «اسمك سام ».
نظرت إلى يديها... أصغر... أنحف... جلدها مخدوش كـ يدي طفل.
ارتفع صوتها... لكن خرج رفيعًا... طفوليًا : « لا… ».
رفعت رأسها نحو البيت... في نافذة الصالة... وقفت فتاة تشبهها تمامًا... لكن أكبر... تنظر للخارج بخوف... تطرق الزجاج... ولا صوت يصل .
همس صوت داخل رأسها : « البيت لا يطلق الاثنين ».
أُغلق الباب ببطء، بصوتٍ خشبي عميق، الصوت نفسه الذي سمعته في ليلتها الأولى.
اختفت أصوات الفجر وعاد الصمت القديم.
في الشارع، أمسكت العجوز بكتفه و قالت بلطف:
« تعال يا سام ».
تردّد، نظر إلى النافذة مرة أخيرة... الفتاة في الداخل كانت تضرب الزجاج بيدين مرتجفتين... ولا أحد يراها.
خفض رأسه ومشى مع العجوز.
خلفه، داخل البيت الذي يرفض المغادرة عادت برودة الممر.
وعند نهايته... تشكّل ظلّ بابٍ ببطء.
ومن الداخل.. صوتٌ خافت جديد…صوت فتاة تقول :
« لا تنسوني ».

 
أنت الان في اول موضوع